หะดีษที่ 9 อันใดที่ฉันได้ห้ามท่าน ก็จงปลีกห่างมัน (5)

วันที่บรรยาย: 
26.6.09

الْحَدِيْثُ التاسع หะดีษที่ 9

วันศุกร์ที่ 26 มิถุนายน 2552

บ้านทองทา บางกอกน้อย

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ  قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ:(( مَانَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ  ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْ تُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ،  فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلاَ فُهُمْ عَلَى أَنْبِيَا ئِهِمْ ))  رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .

    จากอบูฮุร็อยเราะฮฺ (อับดุรเราะหฺมาน บินศ็อครฺ)  กล่าวว่า : ฉันได้ยินท่านร่อซูล  กล่าวว่า     “อันใดที่ฉันได้ห้ามท่าน ก็จงปลีกห่างมัน และอันใดที่ฉันสั่งให้ทำก็จงปฏิบัติเท่าที่ท่านสามารถ แท้จริง บรรดาที่พินาศไปก่อนหน้าพวกท่านนั้นคือ พวกเขาถามมาก และพวกเขาขัด (ไม่เคารพเชื่อฟัง) นบีของพวกเขา”  หะดีษนี้บันทึกโดยบุคอรีย์และมุสลิม  



سبب ورود الحديث



•    عن أبي هريرة قال : خطبنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : (( يا أيَّها النَّاس قد فرضَ الله عليكم الحجَّ فحجُّوا )) فقال رجل : أكُلَّ عامٍ يا رسول الله ؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثاً ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لو قلتُ : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتُم )) ثمَّ قال : (( ذَرُوني ما تَرَكْتُكُم ، فإنَّما أُهْلِكَ مَنْ كانَ قبلَكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتُكُم بشيءٍ ، فأتوا منه ما استطعتُم ، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ ، فدعوه،وفي رواية عند الدارقطني فنَزل قولُه تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم}.



•    وفي الصحيحين عن قتادة ، عن أنسٍ قال : سألوا رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أحْفَوهُ في المسألة، فغضب ، فصَعدَ المنبر ، فقال : (( لا تسألوني اليومَ عن شيءٍ إلا بيَّنتُه )) ، فقام رجل كان إذا لاحى الرجالَ دُعِيَ إلى غير أبيه ، فقال : يا رسول الله من أبي ؟ قالَ : (( أبوك حُذافة )) ، ثم أنشأ عمرُ ، فقال : رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمَّد رسولاً ، نعوذ بالله من الفتن . وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ}  .



•    وخَرَّج ابن جرير الطبري في " تفسيره " من حديث أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبانُ مُحمارّاً وجهه ، حتّى جلس على المنبرِ ، فقام إليه رجلٌ ، فقال : أين أنا ؟ فقالَ : في النار، فقام إليه آخر فقالَ : من أبي ؟ قال :  أبوك حُذافة  ، فقام عمر فقال : رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً ، وبالقرآن إماماً ، إنا يا رسول الله حديثو عهدٍ بجاهلية وشركٍ ، والله أعلم مَن آباؤنا ، قال : فسكن غضبُه ، ونزلت هذه الآية : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم } .



النهي عن السؤال بغير فائدة



•    فدلَّت هذه الأحاديثُ على النهي عن السُّؤال عمَّا لا يُحتاج إليه مما يسوءُ السائلَ جوابُه مثل سؤال السائل ، هل هوَ في النار أو في الجنة ، وهل أبوه من ينتسب إليه أو غيره ، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء ، كما كان يفعلُه كثيرٌ من المنافقين وغيرهم.

•    وقريبٌ من ذلك سؤالُ الآيات واقتراحُها على وجه التعنتِ ، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب ، وقد قال عكرمة وغيرُه : إنَّ الآية نزلت في ذلك .ويقرب من ذلك السؤالُ عما أخفاه الله عن عباده ، ولم يُطلعهم عليه ، كالسؤال عن وقتِ الساعة ، وعن الروح .

•    ودلَّت أيضاً على نهي المسلمين عن السؤال عن كثيرٍ من الحلالِ والحرام مما يُخشى أنْ يكون السؤال سبباً لنزول التشديد فيه ، كالسُّؤال عَنِ الحجِّ : هل يجب كلَّ عامٍ أم لا ؟ وفي " الصحيح "  عن سعدٍ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : (( إنَّ أعظمَ المسلمين في المسلمين جرماً مَنْ سأل عن شيءٍ لم يحرَّم ، فحُرِّمَ من أجل مسألته )) .



سؤال الأعراب



•    ولم يكن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُرخِّصُ في المسائل إلاَّ للأعرابِ ونحوهم من الوُفود القادمين عليه ، يتألَّفهم بذلك ، فأمَّا المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رَسَخَ الإيمانُ في قلوبهم ، فنُهُوا عَنِ المسألة ، كما في " صحيح مسلم عن أنسٍ ، قال : نُهينا أنْ نسألَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيءٍ ، فكان يُعجِبُنا أنْ يجيءَ الرجلُ من أهل البادية العاقل ، فيسأله ونحنُ نَسْمَعُ.

•    وفي " المسند " عن أبي أُمامة قال : كان الله قد أنزل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم }  قال : فكنَّا قد كرهنا كثيراً مِنْ مسألته ، واتَّقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فأتينا أعرابياً ، فرشوناه بُرداً ، ثمَّ قلنا له : سلِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وذكر حديثاً .



القرآن فيه كفاية لكل سائل



•    ولكن بعضَ الناس يزعمُ أنَّ ذلك كان مختصاً بزمن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يُحرم ، أو إيجاب ما يشقُّ القيام به ، وهذا قد أمن بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - . ولكن ليس هذا وحده هو سببَ كراهة المسائل ، بل له سببٌ آخر ، وهو الذي أشارَ إليه ابنُ عباس في كلامه الذي ذكرنا بقوله : ولكن انتظرُوا ، فإذا نزل القرآن ، فإنَّكم لا تَسألونَ عن شيءٍ إلا وجدتم تبيانه .

•    ومعنى هذا : أنَّ جميعَ ما يَحتاجُ إليه المسلمون في دينهم لابدَّ أنْ يُبينه الله في كتابه العزيز ، ويبلِّغ ذلك رسوله عنه ، فلا حاجةَ بعدَ هذا لأحدٍ في السؤال ، فإنَّ الله تعالى أعلمُ بمصالح عباده منهم ، فما كان فيه هدايتُهم ونفعُهُم ، فإن الله لابدَّ أنْ يبيِّنه لهمُ ابتداءً من غيرِ سؤال ، كما قال : { يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا }  ، وحينئذ فلا حاجة إلى السُّؤال عن شيءٍ ، ولا سيما قبلَ وقوعه والحاجة إليه ، وإنَّما الحاجةُ المهمةُ إلى فهم ما أخبرَ الله به ورسولُه ، ثمَّ اتباعُ ذلك والعملُ به ، وقد كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُسأَل عنِ المسائل ، فيُحيل على القرآن ، كما سأله عمرُ عنِ الكَلالَةِ ، فقالَ :  يَكفيك آيةُ الصيف  .



ذم التفقه لغير العمل



•    فأما إنْ كانت همةُ السامع مصروفةً عند سماعِ الأمر والنهي إلى فرض أمورٍ قد تقع ، وقد لا تقع ، فإنَّ هذا مما يدخل في النَّهي ، ويثبِّطُ عنِ الجد في متابعة الأمر . وقد سألَ رجلٌ ابنَ عمر عن استلام الحجر ، فقال له : رأيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ويقبِّلُه ، فقال له الرجل : أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ عليه ؟ أرأيت إنْ زُوحِمْتُ ؟ فقالَ لهُ ابن عمر : اجعل (( أرأيت )) باليمن، رأيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يستلِمُه ويقبِّلُه . خرَّجه الترمذي. ومرادُ ابن عمر أنَّه لا يكن لك همٌّ إلا في الاقتداء بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلك أو تعسُّره قبلَ وقوعه ؛ فإنَّه قد يفتُرُ العزمُ على التَّصميم على المتابعة ، فإنَّ التَّفقُّهَ في الدِّين ، والسُّؤالَ عن العِلم إنَّما يُحمَدُ إذا كان للعمل ، لا لِلمراءِ والجدال .

•    وقد روي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّه ذكر فتناً تكونُ في آخر الزَّمان ، فقال له عمر : متَى ذلك يا عليُّ ؟ قال : إذا تُفُقِّه لغير الدين ، وتُعُلِّم لغير العمل ، والتمست الدنيا بعمل  الآخرة  . ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبلَ وقوعها ، ولا يُجيبون عن ذلك ، قال عمرو بن مُرة : خرج عمرُ على الناس ، فقال : أُحرِّجُ عليكم أنْ تسألونا عن ما لم يكن ، فإنَّ لنا فيما كان شغلاً .



الأغلوطات



•    وقد روى الصنابحيُّ، عنْ معاوية، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : (( أنَّهُ نهى عنِ الأغلوطات )) خرَّجهُ الإمامُ أحمد رحمه الله  .وفسرهُ الأوزاعيُّ وقالَ : هي شدادُ المسائلِ . وقال عيسى بنُ يونسَ : هي ما لا يحتاجُ إليهِ منْ كيف وكيف.

وقالَ الحسنُ : شرارُ عبادِ اللهِ الذينَ يتبعونَ شرارَ المسائلَ يَغُمُّون بها عبادَ اللهِ. وقالَ الأوزاعيُّ : إنَّ اللهَ إذا أرادَ أنْ يَحرُمَ عبدَهُ بركةَ العلمِ ألقى على لسانهِ المغاليط ، فلقدْ رأيتهم أقلَّ النَّاسِ علماً.



النهي عن المجادلة عن السنن



•    وكان مالكٌ يكره المجادلة عن السُّنن أيضاً. قال الهيثم بن جميل : قلت لمالك : يا أبا عبدِ الله ، الرجلُ يكونُ عالماً بالسُّنن يُجادل عنها ؟ قال : لا ، ولكن يخبر بالسُّنَّةِ ، فإنْ قُبِلَ منه ، وإلاّ سكت .قال إسحاق بن عيسى : كان مالك يقول : المِراء والجِدال في العلم يَذهبُ بنور العلم من قلب الرجل .

•    وقال ابن وهب : سمعت مالكاً يقول : المراء في العلم يُقسِّي القلوب ، ويورِّث الضغن .

•    وكان أبو شريح الإسكندراني يوماً في مجلسه ، فكثُرَتِ المسائلُ ، فقال : قد دَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم ، فقوموا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا قلوبكم ، وتعلَّمُوا هذه الرغائب ، فإنَّها تُجدِّدُ العبادة ، وتُورث الزهادة ، وتجرُّ الصداقة ، وأقِلُّوا المسائلَ إلا ما نزل ، فإنَّها تقسي القلوب ، وتورث العداوة . وقال الميمونيُّ : سمعتُ أبا عبد الله - يعني : أحمد - يُسأل عن مسأَلة ، فقال : وقعَت هذه المسألة ؟ بُليتم بها بعدُ ؟



أهل الحديث هم أهل الوسط



•    وقد انقسم الناسُ في هذا الباب أقساماً :

•    فمن أتباع أهلِ الحديث منْ سدَّ بابَ المسائل حتَّى قلَّ فقهه وعلمُه بحدود ما أنزل الله على رسوله ، وصار حامِلَ فقه غير فقيه

•    ومن فقهاء أهل الرأي من توسَّع في توليدِ المسائل قبلَ وقوعها ، ما يقع في العادة منها وما لا يقع ، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجواب عنْ ذلك، وكثرة الخصومات فيه ، والجدال عليه حتَّى يتولدَ مِنْ ذلك افتراقُ القلوب ، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة، وطلب العلوِّ والمباهاة ، وصرف وجوه الناس وهذا ممَّا ذمه العلماءُ الربانيون ، ودلَّتِ السُّنَّةُ على قبحه وتحريمه .

•    وأما فقهاء أهل الحديث العامِلُون به ، فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني كتاب الله - عز وجل - ، وما يُفسِّرُهُ من السنن الصحيحة ، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان ، وعن سُنَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعرفة صحيحها وسقيمِها ، ثم التفقه فيها وتفهمها ، والوقوف على معانيها ، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ، ومسائل الحلال والحرام ، وأصول السُّنة والزهد والرقائق وغيرِ ذلك .



الرأي والهوى سبب صعوبة المسائل



•    مَنْ لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا يوجدُ مثلُها في كتاب ، ولا سنة ، بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله ، وقصدُه بذلك امتثالُ الأوامر ، واجتنابُ النواهي ، فهو ممَّنِ امتثلَ أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، وعَمِلَ بمقتضاه ، ومن لم يكن اهتمامُه بفهم ما أنزل الله على رسوله ، واشتغل بكثرةِ توليدِ المسائل قد تقع وقد لا تقع ، وتكلَّفَ أجوبتها بمجرَّد الرأي ، خُشِيَ عليه أنْ يكونَ مخالفاً لهذا الحديث ، مرتكباً لنهيه ، تاركاً لأمره .

•    واعلم أنَّ كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنَّما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله ، واجتنابِ نواهي الله ورسوله ، فلو أنَّ من أرادَ أنْ يعمل عملاً سأل عمَّا شرع الله في ذلك العمل فامتثله ، وعما نهى عنه فاجتنبه ، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة .

•    وإنَّما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه ، فتقع الحوادثُ عامَّتُها مخالفةً لما شرعه الله وربما عسر ردُّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة ؛ لبعدها عنها .



تفضيل ترك المحرمات على فعل النوافل



•    والظاهر أنَّ ما ورد مِن تفضيل ترك المحرَّمات على فعل الطاعات ، إنَّما أُريد به على نوافل الطّاعات ، وإلاّ فجنسُ الأعمال الواجبات أفضلُ مِنْ جنسِ ترك المحرَّمات ؛ لأنَّ الأعمال مقصودة لذاتها ، والمحارم المطلوبُ عدمها ، ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمالِ ، وكذلك كان جنسُ ترك الأعمال قد يكون كفراً كتركِ التوحيد ، وكتركِ أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق ، بخلاف ارتكاب المنهيات فإنَّه لا يقتضي الكفر بنفسه.

•    وقال ميمون بن مِهران : ذكرُ اللهِ باللسان حسن ، وأفضلُ منه أنْ يذكر الله العبدُ عندَ المعصية فيمسِكَ عنها . وقال ابنُ المبارك : لأنْ أردَّ درهماً من شبهة أحبُّ إلىَّ من أنْ أتصدَّقَ بمئة ألفٍ ومئة ألف ، حتّى بلغ ست مئة ألف.

•    وقال عمر بنُ عبد العزيز : ليست التقوى قيامَ الليل ، وصِيام النهار ، والتخليطَ فيما بَيْنَ ذلك ، ولكن التقوى أداءُ ما افترض الله ، وترك ما حرَّم الله ، فإنْ كان مع ذلك عملٌ ، فهو خير إلى خير ، أو كما قال. وقال أيضاً : وددتُ أني لا أصلي غيرَ الصَّلوات الخمس سوى الوتر ، وأنْ أؤدِّي الزكاة ، ولا أتصدَّق بعدها بدرهم ، وأنْ أصومَ رمضان ولا أصوم بعده يوماً أبداً ، وأنْ أحجَّ حجة الإسلام ثم لا أحجَّ بعدها أبداً ، ثم أعمد إلى فضل قوتي ، فأجعله فيما حرَّم الله عليَّ ، فأمسك عنه .

•    وحاصل كلامهم يدلُّ على أنَّ اجتناب المحرمات - وإنْ قلَّتْ - فهي أفضلُ من الإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذلك فرضٌ ، وهذا نفلٌ .

•    وقالت طائفة من المتأخرين : إنَّما قال - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) ؛ لأنَّ امتثالَ الأمر لا يحصلُ إلاّ بعمل ، والعملُ يتوقَّفُ وجودُه على شروط وأسباب ، وبعضها قد لا يُستطاع ، فلذلك قيَّده بالاستطاعة ، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة ، قال تعالى : { فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }  . وقال في الحجّ : { وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }  . وأما النهيُّ : فالمطلوب عدمُه ، وذلك هو الأصل ، فالمقصود استمرار العدم  الأصلي ، وذلك ممكن ، وليس فيه ما لا يُستطاع .

•     وهذا أيضاً فيه نظر ، فإنَّ الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قوياً ، لا صبر معه للعبد على الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها ، فيحتاج الكفُّ عنها حينئذٍ إلى مجاهدةٍ شديدةٍ ، ربما كانت أشقَّ على النفوس من مجرَّدِ مجاهدة النفس على فعل الطاعة ، ولهذا يُوجَدُ كثيراً من يجتهد فيفعل الطاعات ، ولا يقوى على ترك المحرمات. وقد سئل عمرُ عن قومٍ يشتهون المعصية ولا يعملون بها ، فقال : أولئِكَ قومٌ امتحنَ الله قلوبهم للتقوى ، لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم.

•    وقال يزيد بن ميسرة : يقولُ الله في بعض الكتب : أيُّها الشابُّ التارك شهوتَه ، المتبذل شبابه من أجلي ، أنت عندي كبعض ملائكتي . وقال : ما أشد الشهوة في الجسد ، إنَّها مثلُ حريق النار ، وكيف ينجو منها الحصوريون ؟ .



التكليف بما في الطاقة



•    والتحقيق في هذا أنَّ الله لا يكلِّفُ العبادَ مِنَ الأعمال ما لا طاقةَ لهم به ، وقد أسقط عنهم كثيراً من الأعمال بمجرَّدِ المشقة رخصةً عليهم ، ورحمةً لهم ،وأمَّا المناهي ، فلم يَعْذِرْ أحداً بارتكابها بقوَّةِ الدَّاعي والشَّهوات ، بل كلَّفهم تركها على كلِّ حال، وأنَّ ما أباح أنْ يُتناول مِنَ المطاعم المحرَّمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة ، لا لأجل التلذذ والشهوة ، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: إنَّ النهي أشدُّ من الأمر. وقد روي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث ثوبان وغيره أنَّه قال : (( استقيموا ولن تُحْصُوا )) يعني : لن تقدروا على الاستقامة كلها .

•    وروى الحكم بن حزن الكُلَفي ، قال : وفدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فشهدتُ معه الجمعة ، فقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - متوكئاً على عصاً أو قوسٍ ، فحمِدَ الله ، وأثنى عليه بكلماتٍ خفيفاتٍ طيباتٍ مباركاتٍ ، ثُمَّ قال : (( أيُّها النَّاسُ إنَّكم لن تُطيقُوا ، أو لن تَفْعَلوا كُلَّ ما أَمَرْتُكم به ، ولكن سَدِّدُوا وأبشِرُوا )) خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود .



الإتيان بالممكن

•    وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم )) دليلٌ على أنَّ من عَجَزَ عن فعل المأمور به كلِّه ، وقدرَ على بعضه ، فإنَّه يأتي بما أمكنه منه ، وهذا مطرد في مسائل :

•    منها : الطهارة ، فإذا قدر على بعضها ، وعجز عن الباقي : إما لعدم الماء ، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنَّه يأتي مِنْ ذلك بما قدر عليه ، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور .

•    ومنها : الصلاة ، فمن عَجَزَ عن فعل الفريضة قائماً صلَّى قاعداً ، فإن عجز صلَّى مضطجعاً، وفي "صحيح البخاري"  عن عِمْرَانَ بن حصين: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( صَلِّ قائماً، فإنْ لم تستطع فقاعداً ، فإنْ لم تستطع فعلى جنبٍ )) ، ولو عجز عن ذلك كلِّه ، أومأ بطرفه ، وصلى بنيته ، ولم تسقُط عنه الصلاةُ على المشهور .ومنها : زكاة الفطر ، فإذا قَدَرَ على إخراج بعضِ صاع ، لزمه ذلك على الصحيح .

•     فأمَّا من قدر على صيامِ بعض النهار دُونَ تكملته ، فلا يلزمه ذلك بغير خلاف ؛ لأنَّ صيامَ بعض اليوم ليس بقُربَةٍ في نفسه ، وكذا لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه ؛ لأنَّ تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يُؤْمَرُ بتكميله بكلِّ طريق.

•    وأما من فاته الوقوفُ بعرفةَ في الحج، فهل يأتي بما بقيَ منه من المبيت بمزدلفة ، ورمي الجمار أم لا ؟ بل يقتصر على الطواف والسعي ، ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد ، أشهرهما : أنَّه يقتصر على الطواف والسعي ؛ لأنَّ المبيتَ والرميَّ من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه ، وإنَّما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام ، وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات ، فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر .